د. نسرين برواري
13 أيار 2026
يقف العراق اليوم عند لحظة سياسية مفصلية. فبعد أكثر من عقدين على سقوط نظام صدام حسين، وسنوات على هزيمة تنظيم داعش عسكريًا، لا يزال البلد يواجه تحديًا أعمق وأكثر استدامة: السؤال غير المحسوم حول طبيعة الدولة التي يطمح العراق إلى بنائها. فخلف النقاشات المتعلقة بالموازنات والانتخابات وعائدات النفط وتوازنات القوى الإقليمية، تكمن معركة أكثر جوهرية تتعلق بالحكم والمواطنة والعلاقة بين الدولة والمجتمع.
إن التطورات السياسية الأخيرة، ولا سيما الضغوط المتزايدة على حقوق المرأة، وتضييق مساحة العمل المدني، ومحاولات إعادة تشكيل الأطر القانونية المنظمة للأحوال الشخصية والأسرة، ليست حوادث منفصلة أو عابرة. بل هي انعكاس لهشاشة مؤسساتية أوسع ما زالت تطبع المشهد السياسي العراقي. كما تكشف عن صراع بين مسارين متنافسين: مسار يسعى إلى بناء دولة أكثر شمولًا قائمة على الحقوق والحوكمة الخاضعة للمساءلة، ومسار آخر يفضل الحسابات السياسية الضيقة والتوازنات الطائفية وأدوات السيطرة الاجتماعية على حساب التنمية الوطنية طويلة الأمد.
بالنسبة لكثير من العراقيين، لا تُعد هذه النقاشات مجرد حوارات سياسية أو قانونية مجردة، بل هي واقع يومي تشكل عبر عقود من الصراع والنزوح والاستبداد وإعادة الإعمار. لقد واجهت الدولة العراقية مرارًا صعوبة في ترسيخ شرعيتها في نظر مواطنيها. وما يزال مستوى الثقة بالمؤسسات العامة ضعيفًا، ليس فقط بسبب الفساد أو ضعف الكفاءة، بل لأن شريحة واسعة من العراقيين لا تزال تشعر بالإقصاء من عملية صنع القرار والانفصال عن مفهوم المواطنة ذاته.
وقد أصبحت أزمة الشرعية هذه أكثر وضوحًا خلال السنوات الأخيرة. فقد كشفت احتجاجات تشرين 2019 حجم الإحباط الشعبي من النخب السياسية ومنظومة الحكم التي اعتبرها كثيرون غير مستجيبة وتسعى فقط للحفاظ على نفسها. لم يطالب الشباب العراقي بالإصلاح الاقتصادي فحسب، بل طالبوا بالكرامة والمساءلة ودولة تخدم مواطنيها بدلًا من خدمة مراكز النفوذ المتنافسة. ورغم القمع العنيف الذي واجه تلك الاحتجاجات، فإن الأسباب التي دفعت إليها ما تزال قائمة حتى اليوم.
وفي الوقت ذاته، ما يزال النظام السياسي العراقي يعمل ضمن بيئة تتسم بتعدد مراكز القوة، وضعف ترسيخ المؤسسات، واستمرار التأثيرات الخارجية. وقد واجهت الحكومات المتعاقبة صعوبة في تحقيق التوازن بين خطاب الإصلاح والمصالح السياسية الراسخة. وبينما تركز الحكومة الحالية على الاستقرار والبنية التحتية والاستثمار الاقتصادي، فإن الإصلاح المؤسسي الحقيقي لا يزال بطيئًا، خصوصًا في ما يتعلق باستقلال القضاء، ومكافحة الفساد، وحماية الحريات المدنية.
وأصبح الجدل حول التعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية العراقي أحد أوضح الأمثلة على هذا الصراع السياسي الأوسع. إذ يرى المنتقدون أن محاولات خفض السن القانونية للزواج وتوسيع النفوذ الطائفي على قوانين الأسرة تمثل تراجعًا خطيرًا في حقوق المرأة والحماية القانونية. في المقابل، يطرح المؤيدون هذه المقترحات باعتبارها تعبيرًا عن الخصوصية الدينية أو الثقافية. إلا أن تداعيات هذه التعديلات تتجاوز بكثير حدود المحافظة الاجتماعية، إذ تطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الدولة العراقية نفسها: هل ستظل حقوق المواطنة عامة ومحمية دستوريًا، أم ستصبح خاضعة لتفسيرات مجزأة تحكمها المصالح السياسية والطائفية؟
ولا تقتصر نتائج الزواج المبكر على الجانب الرمزي فقط، بل تمتد لتؤثر بشكل مباشر على تعليم الفتيات، ومشاركتهن الاقتصادية، وفرصهن في الحراك الاجتماعي طويل الأمد. وفي بلد يواجه أصلًا معدلات مرتفعة من بطالة الشباب والاعتماد الاقتصادي والضغوط الديموغرافية، فإن تقليص فرص النساء الشابات يضعف رأس المال البشري ومستقبل العراق الاقتصادي. فالدول التي تستثمر في تعليم الفتيات ومشاركتهن في سوق العمل تحقق باستمرار نتائج تنموية أقوى واستقرارًا اجتماعيًا أفضل ومؤشرات صحية أعلى. والعراق لا يملك رفاهية تبني سياسات تسير بعكس هذا الاتجاه.
ومما يثير القلق أيضًا التدهور المتواصل في بيئة عمل الناشطين والصحفيين ومنظمات المجتمع المدني. فقد عززت حملات الاغتيال والترهيب التي استهدفت المدافعين عن حقوق المرأة وأصوات الإصلاح مناخ الخوف الذي يحد من المشاركة العامة. وتكشف هذه الحوادث عن استمرار ضعف المساءلة وسيادة القانون. فعندما تمر أعمال العنف ضد الناشطين دون تحقيقات أو محاسبة جدية، فإن الدولة تخاطر بإرسال رسالة ضمنية تتسامح مع الترهيب السياسي وتقليص الفضاء المدني.
ورغم كل هذه الضغوط، لا يزال المجتمع المدني العراقي يُظهر قدرًا لافتًا من الصمود. فالنساء يواصلن قيادة جهود المناصرة وتنظيم المجتمعات والمشاركة في الحياة العامة رغم المخاطر المتزايدة. كما يواصل الشباب العراقي المطالبة بالإصلاح والشفافية والمساءلة المؤسسية. ويعكس هذا الإصرار حقيقة مهمة كثيرًا ما يتم تجاهلها في النقاشات الدولية حول العراق: أن مستقبل البلاد لا تحدده النخب السياسية أو الجهات المسلحة وحدها، بل أيضًا جيل جديد يرفض بشكل متزايد القبول بمنظومة حكم قائمة على الخوف أو الإقصاء أو المحاصصة.
ويقدم إقليم كردستان بعدًا موازيًا لا يقل أهمية في هذا السياق. فعلى الرغم من أن الإقليم غالبًا ما يقدم نفسه كنموذج أكثر استقرارًا وإصلاحًا، إلا أنه يواجه هو الآخر مطالب شعبية متزايدة بالتحديث المؤسسي والشفافية وتعزيز آليات الحوكمة. وقد أدت الضغوط الاقتصادية والاعتماد الكبير على القطاع العام والنقاشات حول الإصلاح السياسي إلى تصاعد الدعوات لبناء مؤسسات أكثر فعالية قادرة على تقديم الخدمات واستعادة ثقة المواطنين. وفي كل من بغداد وأربيل، يبقى التحدي الأساسي واحدًا: كيف يمكن الانتقال من أنظمة تقوم على إدارة الأزمات والبقاء السياسي إلى أنظمة تستند إلى المصداقية المؤسسية والحوكمة المتمحورة حول المواطن؟
وفي المقابل، تواجه الأطراف الدولية أيضًا معادلة معقدة في العراق. فالاستقرار ما يزال أولوية إقليمية ودولية نظرًا لأهمية العراق الاستراتيجية والتحديات الأمنية المستمرة. لكن التركيز المفرط على الاستقرار قصير المدى دون استثمار موازٍ في الإصلاح المؤسسي قد يؤدي إلى ترسيخ الهشاشة ذاتها التي تهدد السلام على المدى البعيد. إن دعم المجتمع المدني وتعزيز مؤسسات سيادة القانون وإدماج معايير حقوق الإنسان في الشراكات الدولية ليست قضايا ثانوية، بل عناصر أساسية في بناء دولة مستدامة.
في نهاية المطاف، سيتحدد مستقبل العراق بمدى قدرة قياداته السياسية على تجاوز السياسات القائمة على الصفقات والمصالح الضيقة، والبدء بمعالجة الأسباب البنيوية لفقدان الثقة العامة. فلا يمكن للحكم أن يعتمد إلى ما لا نهاية على شبكات المحاصصة أو التوافقات الطائفية أو الشرعية الأمنية وحدها. فالاستقرار الحقيقي يحتاج إلى مؤسسات يؤمن بها المواطنون وقوانين تحمي الحقوق بصورة متساوية وثابتة.
لذلك، فإن الجدل حول حقوق المرأة والحريات المدنية والإصلاح القانوني ليس منفصلًا عن سؤال مستقبل الدولة العراقية، بل يقع في صميمه. فطريقة تعامل الدول مع النساء والناشطين والفئات المهمشة غالبًا ما تكون المؤشر الأوضح على صحة مؤسساتها ونضجها الديمقراطي. قد تنجح الدول التي تقمع المعارضة وتقيد الحقوق في الحفاظ على سيطرة سياسية مؤقتة، لكنها نادرًا ما تبني شرعية دائمة.
ويبقى العراق اليوم معلقًا بين الهشاشة والإمكانات. فبينما يواجه نظامه السياسي ضغوطًا متزايدة، يواصل مجتمعه إظهار الصمود والطموح والرغبة في الإصلاح. وما إذا كان البلد سيتجه نحو مزيد من الشمول والمساءلة المؤسسية، أو نحو مزيد من الانقسام والتراجع، سيحدد ليس فقط مستقبل الحكم، بل مستقبل المواطنة العراقية نفسها.



